Advertisement
Advertisement
Advertisement
المؤسس العام : شريف شمه
المدير العام : إبراهيم البشبيشي
أخبار عامة إبراهيم عبدالعزيز المحارب.. نحت الذاكرة وترويض الخشب إلى فن حي

إبراهيم عبدالعزيز المحارب.. نحت الذاكرة وترويض الخشب إلى فن حي

أخبار عامة 15 سبتمبر، 2025 185 مشاهدة

كتب : خالد البسيوني.

جرأة الفنان إبراهيم عبدالعزيز المحارب وتحديه للصعاب ظهرت بوضوح في عمله الأخير، حيث قدّم لوحة فنية ليست مرسومة بالألوان، بل منحوتة من الخشب الطبيعي، لتغدو أيقونة تجمع بين الصعوبة والدقة والجمال في آنٍ واحد. هذا الإبداع يكشف أننا أمام فنان كبير يحمل على عاتقه رسالة الفن وهُوية المملكة، ساعيًا بها إلى مصاف العالمية.

الخشب.. من خامة إلى كائن حي

اختيار الخشب الطبيعي لم يكن مجرد صدفة، بل يعكس ارتباط الفنان بالبيئة النجدية. فقد تعامل معه ككائن حي، قادر على محاورة التراث والزمن، محولًا إياه من مادة جامدة إلى لغة بصرية ناطقة.

مهارة النحت والتفاصيل الدقيقة

التكوين الفني للعمل تطلب مهارات عالية في الحفر والنحت اليدوي، أو باستخدام أدوات احترافية متقدمة. فقد ظهرت تفاصيل دقيقة تحافظ على الطابع العضوي للخشب دون فقدان عفويته الطبيعية. كما أن معالجة السطح جاءت بلمسات إبداعية لافتة؛ بعض الأجزاء مصقولة بانسيابية، بينما بقيت أخرى خشنة أو محفورة، مما أضاف تنوعًا بصريًا وملمسيًا ثريًا.

تحدي الصلابة وتحويلها إلى نعومة

من أبرز ما يميز العمل شكله العضوي المموج، الذي يشبه القماش المطوي أو الورقة الملتفة، لكنه في الحقيقة منحوت بالكامل من الخشب. هذا التحول يُبرز قدرة الفنان على ترويض الصلابة وتحويلها إلى نعومة شكلية آسرة.

فوضى منظمة ورموز تراثية

العمل لا يخضع لقواعد التناظر التقليدية، بل يتبع منطقًا بصريًا حرًا قائمًا على الفوضى المنظمة. كما أضاف الفنان رموزًا تراثية هندسية كالمثلثات والمربعات والزخارف النجدية، ووزّعها بذكاء على السطح بشكل عشوائي مقصود، لتثير الأسئلة: هل نحن أمام خريطة ممزقة؟ أم ذاكرة بصرية مشوهة تنتظر الترميم؟

حوار بين المادة والرمز والزمن

الرموز هنا ليست مجرد زخارف، بل تمثل تراكمات زمنية؛ بعضها مطموس أو شبه مفقود، في إشارة إلى ضياع ملامح من التراث وبقاء أخرى قابلة للإحياء. ومن خلال الدمج بين التجريد والانتماء، صاغ المحارب عملاً ينتمي بعمق إلى الهوية السعودية دون أن يقدمها بشكل مباشر. إنه فن مفاهيمي تجريدي، يمكن قراءته كحوار متواصل بين المادة (الخشب)، والرمز (النقوش)، والزمن (التموج).

لغة معاصرة بلكنة محلية

إبراهيم المحارب استطاع أن يُحمّل الخشب لغة فنية عالمية، لكنها تنطق بلهجة نجدية أصيلة. وهنا تكمن فرادته؛ إذ جمع بين المعاصرة والخصوصية، فحوّل الرموز التراثية إلى كائنات بصرية معاصرة تُحاور الجمهور بعمق وهدوء.

رسالة الفن.. التراث لا يموت

هذا العمل، كسائر أعمال إبراهيم المحارب، يعلن أن التراث لا يموت، بل يتجدد ويُعاد تشكيله برؤية صادقة وإبداعية. فالخشب هنا ليس مجرد عنصر زخرفي، بل حامل لذاكرة الأرض، ينقل ما كان، ويُشير إلى ما سيكون.

إنها تجربة ناضجة فنيًا وفكريًا، تُظهر ملامح فنان لا يجمّل التراث بل يُعمّقه، ولا ينحت أشكالًا جامدة بل ينحت الذاكرة، ليجعل منها رسالة معاصرة تُخاطب الأجيال وتستشرف المستقبل.

كن أول من يعلق

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *